محمد غازي عرابي
708
التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم
الآيات أمر موجه إلى الاسم العليم بالانطلاق إلى مجموعة الأسماء المتعينة ، وكل منها يقول أنا وأنا ، والأنا حجاب عن اللّه ، ولهذا كان قوم فرعون ظالمين ، وكان جواب موسى خوفه أن يكذّب ، إذ ليس أشق على الإنسان من التنازل عن أناه ، والفناء الذي تتحدث عنه الصوفية مقام فيه من الشدة ما تجعل الولدان شيبا ، ويقول أبو العباس السياري : ليس في المشاهدة لذة ، لأن المشاهدة فناء لا لذة فيه ، ولهذا كانت دعوة الموحد الناس إلى التوحيد الحقيقي هي دعوة شاقة يضيق بها الصدر وينعقد اللسان . ولقد قال موسى عليه السّلام : وَلا يَنْطَلِقُ لِسانِي تعبيرا عن إحساس الموحد بالعجز عن القيام بالدعوة للتوحيد ، فالمسألة عظيمة وتحتاج إلى بيان وقدرة على التعبير ، ولهذا أوتي صلّى اللّه عليه وسلّم جوامع الكلم ، ويعد كلامه في المرتبة الثانية بعد القرآن ، وكذلك اتصف الإمام علي ببلاغة أذهلت العرب ، وسمي كتابه الجامع لأقواله وخطبه نهج البلاغة . والنبي موسى لم تكن له القدرة على التعبير ، وكانت في لسانه علة ، ولهذا سأل ربه المدد بإرسال أخيه هارون ، وهارون هنا إشارة إلى المدد الروحي للعارف يعلمه ما لم يكن يعلم ، بل ويجعله ينطق بما لم يكن قادرا على النطق به ، وما فعله النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في مجال البيان كان معجزة ، فهو كان أميا لا يقرا ولا يكتب ، ولما جعل يقول ، تخصص كتاب معينون في الكتابة مثل معاوية ، وتعتمد علماء اللغة أحاديث النبي مثل اعتمادهم القرآن ، ويحفظون هذه الأحاديث لتقوية لغتهم وحفظ لسانهم من الغلط والضعف ، فالقرآن والحديث حجة اللّه على البشر . [ سورة الشعراء ( 26 ) : الآيات 15 إلى 20 ] قالَ كَلاَّ فَاذْهَبا بِآياتِنا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ ( 15 ) فَأْتِيا فِرْعَوْنَ فَقُولا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ ( 16 ) أَنْ أَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ ( 17 ) قالَ أَ لَمْ نُرَبِّكَ فِينا وَلِيداً وَلَبِثْتَ فِينا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ ( 18 ) وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ ( 19 ) قالَ فَعَلْتُها إِذاً وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ ( 20 ) [ الشعراء : 15 ، 20 ] يبعث اللّه لكل زمان موحد يعلم الإنسان التوحيد ، وتاريخ التوحيد قديم ، ويعد كتاب الفيلسوف شيلنغ « فلسفة الكشف والأسطورة » حجة في هذا المجال ، حيث كشف شيلنغ وجود التوحيد في كل ما سار في الأرض من قصص وأساطير ، وأن التحريف كان يصيب هذا التوحيد ويحرفه عن مواضعه ويعيده إلى عبادة الأوثان التي اشتهرت عبر التاريخ وقلنا إن أصلها وسببها عبادة الصور في كل زمان ومكان . والآيات المذكورة تشير إلى علم التوحيد نفسه ، وفي مقدمته الشرائع ، فلقد أنزل على موسى عليه السّلام مثلا الألواح التي كتب فيها من كل موعظة ووصية ، وأوتي داود الزبور وعيسى